ليس هناك أسمج ولا أثقل من الفاصل الإعلاني على شاشة التلفزيون. تلك الفترة الزمنية المستقطعة للإعلانات التجارية هي جزء ضائع ومهدور من حياة ملايين المشاهدين. وأشد لعنة من ذلك، الطريقة المباغتة التي ينحشر فيها هذا الفاصل الإعلاني في جدولك اليومي، مثل زائر سمين وسمج وثقيل ومتطفل وثرثار يطرق بابك على غفلة ويقطع ذروة نشوتك بالمسلسل. يقابل ذلك ردة الفعل الآلية من كل مشاهد، بأن يتم التقاط الريموت كنترول والتحويل لقناة أخرى، أو إخراس الصوت فوراً وانتظار انتهاء الفاصل، طبعاً مع التحلي بفارغ الصبر الذي هو "مفتاح الفرج". وإلى أن يأتي أخونا "فرج"، نكون قد أصبنا بجلطة.
أنا أعمل في صناعة الإعلان لسنوات طويلة وأدعي أنني أعرف بعض الأسباب.
الإعلانات التجارية في عالمنا مع الأسف الشديد، اسم على مسمى. هذه الإعلانات فعلاً تجارية.
إنني على قناعة شخصية بأن صناعة الإعلان في بلادي واقعة تحت غيبوبة دماغية. هذا العطل والعطب بالدرجة الأولى يسيطر على الناحية الإبداعية التي تتعلق بعنصر الجذب وابتكار الأفكار الجديدة. وإن المتتبع لحملاتنا الإعلانية الإقليمية في كافة الوسائل التقليدية، سواء في التلفزيون، أو الراديو، أو الطريق، أو المطبوعات، أو الأسواق ومراكز البيع، أو حتى الإنترنت، يعرف سريعاً هذه الحقيقة. متى كانت آخر مرة رأيت فيها إعلاناً أدهشك؟ أضحكك؟ أبكاك؟ جعلك تعيد حساباتك في أمر ما؟ أو دفعك لتجربة شئ لم تعرفه من قبل؟ ضع إجابتك على هذا السؤال جوار الزخم الهائل من الدعايات التي نتلقاها كل يوم.
إنني نشأت كطفل في جيل عاصر بدايات تقنين صناعة الإعلان في المملكة، عندما تم لأول مرة تخصيص فترة معينة بعد الأخبار وقبل المسلسل المسائي باسم "الإعلانات التجارية". أتذكر أننا كنا ننتظر فترة الإعلانات بمنتهى الحماس، لأنها كانت جديدة وممتعة بمقاييس ذلك الزمن. كنا نحرص - كباراً وصغاراً - على إنهاء كل مشاغلنا ومتعلقاتنا لحضور الإعلانات من بدايتها، حيث كانت أهميتها بالنسبة لنا لا تقل عن أهمية المسلسل المسائي الذي يليها. فإذا بدأت فترة الإعلانات وأحد أفراد العائلة في الغرفة المجاورة أو المطبخ، كنا نصرخ فيه "جاءت الإعلانات" فيأتي مسرعاً ويأخذ مكانه أمام الشاشة. لا زال معظم أفراد جيلي إلى اليوم يحفظ بعض هذه الإعلانات عن ظهر قلب.
اليوم، أصبح الفاصل الإعلاني في التلفزيون كابوساً، لأننا - في مجمل حملاتنا الدعائية - نعيد ذات الأفكار وذات القوالب الدرامية الساذجة وذات النكت المفتعلة وذات المبالغات، فقط بوسائل تكنولوجية أكثر تقدماً. رغم أن الفرق شاسع بين الأمس واليوم، في مجتمع شاب ذي طبيعة خاصة، يتغيّر ويتطوّر ويتقدّم على المستوى الفردي بأضعاف السرعة التي تتقدم بها الأفراد في المجتمعات الأخرى. ولكن عندما يصل الأمر للإعلان، فإنه السبات الشتوي العميق والركود الآسن الذي يسيطر على هذا القطاع بصفة عامة، مع بعض الاستثناءات لبعض الأعمال الإعلانية بين حين وآخر.
من الــمُــلام؟ ومن سيكون البطل المخلّص؟ وعلى من تقع المسؤولية؟ على الوكالات الإعلانية ومدى أهليتها للقيام بهذه الصناعة الحيوية والمؤثرة؟ أم على مدراء التسويق وأصحاب الماركات التجارية وطريقة حكمهم وتنفيذهم للحملات الدعائية؟ أم على الثقافة الجمعية للبلد بأكمله؟ وما معنى الإعلان اليوم؟ وما هي وسائله وطرائقه الجديدة بعد انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة؟ وغير ذلك من الأسئلة الكبيرة التي تتطلب نقاشات أكبر.
لا أدعي أنني أعرف جميع الإجابات. ولكنني بكل تأكيد أعرف أننا إذا أردنا لهذا الوضع أن يتغيّر، يجب أن نحرّك البركة الآسنة، وذلك بضخ حوار جماعي يجري بين كافة الأطراف: الرؤوس المبدعة في الوكالات الإعلانية، مسؤولي الشركات والعلامات التجارية، وأهم من هؤلاء وهولاء: الإنسان البسيط الذي يعيش في هذا البلد ويصنع نسيجه الاجتماعي الخاص.
في النقاشات القادمة، نتعرض لموضوعات أكثر تحديداً.